= كأس أخرى…
ويشتعل المدى بالرقص والغناء.. وتتهاوى الوجوه والوجود.. وتتساقط مدن.. وتنحدر القامات العالية.. وتتوضع دنيا بأكملها.
أشرب – فقط – يقول هذا النحس – حتى يحترق ما تبقى فيك من عصب سليم، وحتى تتضاجع فيك الحرائق، وحتى ترى الفلك راكعاً تحت قدميك، وأنت ملك متوّج على رحابة هذه المدينة المتسكعة في عينيك، وجوهاً بائسة.. زمناً يتقيح بالعاهات، والمتسولين، والمجانين، والقتلة والمقتولين، والحروب والهزائم والانتصارات.
أشرب – يقول وهو مُغمض العينين – حتى يُبكي عليك الأفق، وتكون وجهاً ينتحر في بؤس المدينة.. ويتلبد في غبارها، ويجلسك في أطرافها، تحتسي الكؤوس المرة والنسيان الأمر، وتتشرب وجوه الذين رحلوا.. لعلك تغتاث وتُغاث.. ولعلك تلحق السفن المهاجرة، وتُقبِّل فيها أحبة الروح.
اشرب – يقول – وأنا رغبات مُبهّمة تقود الليل والنهار فيها، مسخ يمتسخ ولا يمتسخ، يموت ويحيا، يحضر ويغيب، وكلما تطل هجشاتهم… أهمس بولع في أذنه:
= كأس أخرى….
تضمك إلى رواحلهم، وتنفيك عن هذه المدينة، ربما يفارقك وجهك المنفّى، وربما لا تكون صورة من صور المدن الثكلى والقرى المكلومة، وربما رأيت تحت قدميك غيول التعب، وفصول رحلة النار والدم، تلتهم وجودك، وربما هربت عن وجه كلما تطلع إلى وطن كريم تُرّحب بقدومه الجثث والدم والأشلاء.
= كأس أخرى…
يقول المنحوس.. أشرب.. ربما تغتسل فيها من بقايا اليقظات الغاربة، وتنهال في النسيان، بشراً تطويه الساعات، وتنهش جسده الأيام الراحلة، وهو لا زال يتواثب في حلم طفل، أُطلقّت صرخته في أول فصل من رحلة النار والدم، ورضع أثداء أغانيها البائرة، وابتسامات طلات الأقنعة ويغني في أهازيجها ويموت لحظة بعد أخرى.
= كأس أخرى..
أقول له أحتسي… ربما ينسحب هذا الليل من ضلوعك، أو تنسحب من أشداق العدم، وتضع ما تبقى فيك من قوى خائرة في هاوية سحيقة.. مُد قدميك إلى فوهتها وانظر إلى السماء، ولا تلقي بالاً على ماذا تستقر، وإلى أي وجع تُقاد، وأي ألمٍ يَنهب الخطى إلى جسد البلاد، وينتهك هدوءها، ويحرق أمانيها.. دع هذه الصهباء تحيل الظلام نوراً، والليل نهاراً وأركب أفلاكها، ربما تنفّلِت من قبضة الموت، وقد تؤوب إلى رشدك، وتصبح ركناً في إيمان العجائز، تَجّل كرامات الأولياء الصالحين، وتصدِّق مُعجزات الهزيمة، وأدعو نفسك إلى الرحيل في الرماد، خلقاً تتفرد بمواجدك.. ربما تنشق أنوارك في ظلمات هذا السكون الرهيب، وربما تبدد الخوف والفجائع فيك، وربما تستيقظ منتشياً وسعيداً، وتزيل عوالق الرعب عن جوانحك، وتنفيه عن خلاياك.. صبها في جوفك.. وتصبب فيها حتى لا تعود تثتمل، أو تتدحرج في أقدام الأرصفة وقدومها لاحتلالك.. تصبب في غيابها، واشترب فيها، ربما تصفح عن لواعجك.. وتعفو عن
































